توريث الحكم.. فانتازيا مصرية

في الساعات الأولى من أول ايلول/سبتمبر 1939، أخذت السفن المسلحة الألمانية في دك تحصينات ميناء مدينة غدانسك البولندية (التي كانت تعرف يومها باسم دانزيغ). كانت هذه هي بداية الغزو الألماني لبولندا، التي لم تصمد طويلاً أمام آلة الحرب النازية على أية حال، وبداية الحرب العالمية الثانية.
وقبل أيام، في الذكرى السبعين لاندلاع الحرب الدموية، التي استمرت ست سنوات طويلة وأودت بحياة خمسين ميلوناً من البشر على الأقل، اجتمع القادة الأوروبيون في صباح مشرق في المدينة البولندية ذاتها لإحياء الذكرى والتعهد بأن لا يسمحوا أبداً بأن تكون قارتهم مسرحاً لمجزرة أخرى. ولكن سماء غدانسك الصافية والدافئة لم تعكس المناخ السياسي السائد بين القوى الأوروبية الرئيسية في يوم الذكرى. التاريخ، كما قال ويليام فولكنر يوماً، ليس ماضياً أبداً. وإن كان ثمة من مؤشر على أن كل التواريخ تدور في الحقيقة حول الراهن، فقد كان هذا المؤشر حاضراً بقوة لا يمكن تجاهلها في أجواء غدانسك. عرفت الحرب الثانية بالعالمية لأن رحاها دارت عبر قارات العالم، ولأن دول العالم أجمع تقريباً انقسمت خلالها بين معسكر الحلفاء ودول المحور. ولكن إن اسثنينا المسألة اليابانية، الطارئة حينها، فإن الحرب كانت في جذورها وليدة انزياح القوة المستمر في التاريخ الأوروبي، أزمة توازن القوى المستعصي على الحل، والذي ما يزال يطارد قارة الحروب الكبرى حتى الآن.
كان من المفترض أن تتركز الأنظار في غدانسك على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فألمانيا كانت اللاعب الرئيسي في إشعال نار الحرب، وهي التي حملتها محاكم وأغلب تواريخ الحرب مسؤولية الكثير من جرائم الإبادة التي شهدتها سنوات الصراع الست. ولكن المفاجأة أن الزعيم الذي أصبح محط الأنظار كان رئيس الوزراء الروسي بوتين، الذي مثل بلاده في لقاء غدانسك. السبب خلف هذا الانقلاب كان الحرب المشتعلة منذ ما قبل لقاء غدانسك حول الرواية التاريخية للحرب الثانية وما تلاها. في العام السابق لاشتعال نيران الحرب، كانت أوروبا قد تواطأت مع المانيا النازية حول غزو تشيكوسلوفاكيا، فيما عرف بعدها بسياسة الاسترضاء التي اتبعتها حكومة المحافظين البريطانية بقيادة تشامبرلين. من وجهة نظر تشامبرلين، كانت التضحية بسلامة تشيكوسلوفاكيا وسيادتها ثمناً يمكن احتماله لتجنيب أوروبا حرباً طاحنة أخرى، بعد أقل من عقدين على نهاية الحرب الأولى. ولكن شهية ألمانيا النازية للتوسع في سهوب الشرق الأوروبي، أو ما أسماه المستشار الألماني أدولف هتلر بمجال ألمانيا الحيوي، لم يكن من السهل إشباعها. وقد أصبحت بولندا، بأقليتها الألمانية وبما اعتبرته برلين أرضاً انتزعت منها، هدف السياسة النازية التالي.
خلال شهور صيف 1939، أدركت الحليفتان بريطانيا وفرنسا حقيقة النوايا الألمانية، ووقعتا بالتالي معاهدة دفاع مشترك وحماية مع بولندا. ولكن هتلر، حتى تلك اللحظة، وربما لسياسة تشمبرلين الاسترضائية، لم يأخذ البريطانيين والفرنسيين مأخذ الجد؛ بمعنى أنه اعتقد أن لندن وباريس لن تغامرا في خوض حرب أوروبية جديدة من أجل مصير بولندا. ما كان يقلق الزعيم النازي هو روسيا؛ ولذا، فقبل أيام من غزو بولندا وقع وزيرا الخارجية الألمانية ريبنتروب والسوفياتي مولوتوف اتفاقاً لتقسيم بولندا، مما جعل الاتحاد السوفياتي شريكاً في الغزو. وبالفعل، فقد آذن الغزو الألماني للمناطق الغربية التي ادعتها برلين باختفاء بولندا كلية عن الخارطة، بعد أن قام الجيش السوفياتي بغزو وضم الجزء الشرقي (إضافة إلى دول البلطيق وقطعة من رومانيا، بالطبع). ما تبقى من تاريخ الحرب في ساحتها الأوروبية لم يعد فيه من غموض كبير. فما أن بدأ الغزو الألماني لبولندا، حتى أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا. وبعد نجاح هتلر في تحطيم فرنسا واحتلالها، استدار إلى الشرق مرة أخرى، ليبدأ غزو الاتحاد السوفياتي. ولكن مشروع هتلر الكبير لم ينجح، فقد استطاعت القوة السوفياتية الصمود أمام الآلة العسكرية الألمانية، وما أن أصبح الجيش السوفياتي قادراً على الهجوم المضاد حتى أخذ الجيش الألماني في الاندحار للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. وقد ساعد على التعجيل بهزيمة ألمانيا الكلية والشاملة مشاركة الولايات المتحدة في الحرب، وإجبار ألمانيا على مواجهة الحلفاء في الشرق والغربي في وقت واحد. ولكن ذلك، على أية حال، لا يجب أن يشكك في أن السوفيات تحملوا العبء الأكبر في إيقاع الهزيمة بالإمبراطورية الألمانية، وأن جيشهم كان من حرر شعوب أوروبا الشرقية من الاحتلال النازي. وهنا يبدأ الصراع على الرواية التاريخية، ويتداخل التاريخي بالراهن.
خلال الأسابيع القليلة السابقة على يوم الذكرى، كانت بولندا تكاد تجمع، حكومة وإعلاماً ومثقفين، على أن ستالين كان شريكاً في إشعال نيران الحرب، وعلى أن هتلر ما كان يتجرأ على غزو بولندا لولا توقيع معاهدة ريبنتروب مولوتوف. الأكثر وضوحاً في الموقف البولندي، الذي تشارك فيه دول البلطيق وقطاعات من سياسيي ونخب دول أوروبا الشرقية الأخرى، أن الجيش السوفياتي حرر شعوب أوروبا الشرقية من الاحتلال النازي ولكنه لم يمنحها الحرية؛ فبخروج الجيش الألماني وقعت هذه الشعوب تحت سيطرة أنظمة شيوعية موالية لموسكو، لم تقل قمعاً عن الاحتلال النازي. ولكن دولة بوتين ميدفيديف، من جهتها، تقوم على إستعادة العزة الروسية، وعلى بناء الثقة الروسية بالذات من جديد، بما في ذلك إعادة الاعتبار لقيادة ستالين ونجاحه في خوض الحرب الطاحنة ضد ألمانيا النازية. في عرف بوتين، بدون الاتحاد السوفياتي (بدون روسيا بالمعنى الراهن)، لم تكن أوروبا قد استطاعت التحرر من الظلام النازي. الموقف البولندي، بالتالي، لا يمثل نكراناً للجميل وحسب، بل ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ وتجاهل التضحيات الهائلة (التي لا توازيها تضحيات أي من الشعوب الأوروبية)، التي دفعتها روسيا والاتحاد السوفياتي لإسقاط الإمبراطورية النازية.
في الرد على الرواية البولندية للحرب الثانية قالت موسكو ان معاهدة ريبنتروب مولوتوف كانت ضرورية لتوفير الوقت الكافي للبناء العسكري؛ ولولا الوقت الذي وفرته المعاهدة ما كان ستالين يستطيع مواجهة آلة هتلر العسكرية عندما استدارت قواته باتجاه روسيا، التي كانت هدفه الأساسي من البداية. كما أخرج الروس من الإرشيف السوفياتي آلاف الوثائق التي تدل على أن بولندا تواطأت على تقسيم تشيكوسلوفاكيا مع ألمانيا النازية، وأن دوائر بولندية كانت تخطط للتحالف مع المانيا لغزو وتحطيم الاتحاد السوفياتي. وفي استعراض لسياسة العصا والجزرة، وجه بوتين قبل وصوله إلى غدانسك رسالة إلى الشعب البولندي، أكد فيها على أن روسيا لا تشكل تهديداً لبولندا، وأن موسكو تريد علاقات صداقة وتعاون مع وارسو.
بيد أن الصراع على الرواية التاريخية ليس هو الراهن الوحيد في هذا الجدل؛ فمنذ تحلل الكتلة الشيوعية في أوروبا الشرقية وانهيار الاتحاد السوفياتي، استعادت أوروبا بعضاً من ملامحها السابقة على الحرب الباردة. وضع حلف شمال الأطلسي، من جهة، ومشروع الاتحاد الأوروبي، من جهة أخرى، حداً للمسألة الألمانية التي أرقت أوروبا منذ بداية القرن التاسع عشر، وللصراع الألماني الفرنسي الطويل. ولكن روسيا لم تزل مشكلة استراتيجية كبرى، حتى بعد، وربما بسبب، انهيار الاتحاد السوفياتي. ينظر الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، إلى روسيا ما بعد الحرب الباردة باعتبارها قوة اقتصادية متواضعة، وأنها حتى بترسانتها النووية الهائلة يجب أن تحرر نفسها من أوهام القوة الكبرى، فسيناريو الإبادة النووية المتبادلة لم يعد سيناريو واقعياً ولا يجب أن يدخل في حسابات القوى والدور والنفوذ. الخيار الأفضل لروسيا هو خيار سنوات التسعينات، أي اتباع النموذج الغربي في إعادة البناء الاقتصادي وزرع قيم الحريات الليبرالية في المجتمع. المشكلة أن روسيا بوتين تنظر إلى سنوات التسعينات باعتبارها فترة الإهانة القومية، الانحدار وفقدان الإرادة. ما يريده بوتين ليس بالضرورة العودة إلى حقبة الحرب الباردة، ولكنه بالتأكيد يرفض العودة إلى عار سنوات ما بعد الحرب الباردة. ما يريده، إن صح التعبير، هو عهد جديد لروسيا ودورها وموقعها، ما بعد بعد الحرب الباردة.
الاستهتار الغربي بروسيا وحجمها، ورفض الغرب التعامل مع موسكو بما تطالب به دولة بوتين ميدفيديف من احترام وتقدير، جعل المعسكر الغربي يتبنى سياسة توسيع حلف الناتو شرقاً، ليس باتجاه بولندا ورومانيا وبلغاريا والمجر وحسب، وهو ما تم بالفعل منذ سنوات، ولكن أيضاً باتجاه ما يسميه الروس بالخارج القريب، حدود الاتحاد الروسي المباشرة، جورجيا وأوكرانيا، وهي إحدى أبرز مسائل التدافع بين روسيا والغرب حالياً. الأكثر من ذلك، أن الولايات المتحدة تخطط منذ إدارة بوش لنشر صواريخ مضادة للصواريخ ومحطات رادار مرتبطة بها في بولندا وتشيكيا، بحجة حماية أوروبا من دول مارقة مثل إيران، باتت قادرة على تطوير صواريخ بعيدة المدى وربما تمتلك قريباً التقنية النووية العسكرية. ولكن روسيا تنظر إلى هذا المشروع باعتباره تهديداً مباشراً لها، ولتوازن القوى في القارة الأوروبية. لم تتردد روسيا بوتين في الرد على الاستهانة الغربية بالحرب في جورجيا، وبالمساومة على الموقف من إيران، وباستخدام ورقة إمدادات الغاز والانقسام الأوكراني الداخلي. لاعتبارات تاريخية واستراتيجية، مشكلة روسيا الرئيسية في معادلة القوة الأوروبية الجديدة/ القديمة هي بالتأكيد أوكرانيا وبولندا. خسارة إحداهما كارثة، أما خسارة كلتيهما فهزيمة جيوبوليتيكية، يستحيل تعويضها. وحول هذه الحقائق الصلبة للقوة يدور التذكر الأوروبي للحرب، التي كانت اندلعت قبل سبعين عاماً من هذا الشهر.

القدس المصورة



العالم في دقيقة

 
تصفح عدد اليوم من القدس العربي



اقرأ في عدد اليوم
  رأي القدس الخناق يضيق على نتنياهو
  سهيل كيوان طبعا.. رمضان كريم….
  شاكر محمود الفلاحي لله و للتأريخ: اطوار بهجت لم تغتصب
  أنور بدر الروائي السوري غازي حسين العلي: الرواية السورية الجديدة أسهمت في كسر التابوهات
  الطاهر بن جلون كتاب يثرون اللغة الفرنسية
  صلاح بن عياد إغماءة عربيّة قديمة بلا نظير!
   كمال القاضي عالمية الأفكار وخصوصية اللغة في السينما العربية: ‘الكتبية’.. نموذج لرومانسية محرمة ودراما تتخلص من عقدة الذنب
  اسامة كمال نور القلب البعيد: سيد النقشبندي وفن الانشاد الديني في مصر
  زهرة مرعي ‘هدوء نسبي’ ملحمة حرب وحب وموت وحياة…. وجهل في أمة ‘إقرأ’
  د. بشير موسى نافع عندما تحيي اوروبا ذكرى حربها
  ابراهيم يسري توريث الحكم.. فانتازيا مصرية
  د. محمد علي فخرو الحرية والعنف والشجاعة
   اول ظهور علني للمقرحي في المستشفى في طرابلس
  كمال زايت الجزائر: أزمة داخل حزب جبهة التحرير قبل أشهر من عقد مؤتمره التاسع
  حسين مجدوبي المفوض الاعلى لشؤون اللاجئين يزور مخيمات تندوف والمغرب لاول مرة منذ 33 سنة
  محمود معروف القذافي يستقبل وفدا مغربيا في مؤشر على تطويق الازمة بين البلدين
  وليد عوض: مركزية فتح ترفض الحصول على اذن من حماس لزيارة غزة وتوزع المهام على اعضائها خلال اجتماع مع عباس
   ساعات حاسمة امام خرق حكومي او اعتذار الحريري عن التكليف.. واقتراح باعطاء جبران باسيل وزارة دولة
  حسام أبوطالب: تكهنات بتأجيل نقل السلطة لجمال مبارك مع اتساع المخاوف من إنفلونزا الخنازير
   هاني عاشور العراقيون قد يعزفون عن المشاركة في الانتخابات المقبلة وعبد المهدي يكشف عن مساعي تحالف بين الائتلاف والاكراد
   الحكومة العراقية تحذر من سيارات أجرة مفخخة
   مبارك يطالب بإغلاق المدارس إذا ظهر خطر انتشار انفلونزا الخنازير.. سخرية من حب رجال الاعمال الهاربين لمصر
   تحت خط الانسانية
   واشنطن: ايران تقترب من القدرة على تصنيع قنابل ذرية.. ويجب ان توقف نشاطاتها النووية ‘غير الشرعية’
   موسوي: حملة الاعتقالات بايران تنذر بـ’حوادث اكثر خطورة’
   ‘سي اي ايه’ تعتمد على عملاء متقاعدين لملاحقة بن لادن في مناطق القبائل
   الادارة الامريكية امام معضلة التعامل من جديد مع كرزاي وسفيرها حذره من اعلان الفوز قبل نتائج التحقيق
   دبلوماسي باكستاني: بريطانيا جعلتنا كبش فداء وحملتنا مسؤولية فشلها بمواجهة التطرف بداخلها
  سمير جبور مبادرة اوباما المنتظرة ستولد ميتة كغيرها… عشرة اسباب تحكم فشلها
  د. مثنى عبدالله المالكي والقدرة على القيام بالافعال !!
  بوجمع خرج عن الصحراء ودبلوماسية الانسحاب
  ديار العمري جهاز المخابرات العراقي بين فكي الرحى
  إسماعيل القاسمي الحسني كارت أصفر لقناة ‘الجزيرة’

الاكثر قراءة

أحدث الأخبار

<!–


–><!–


–><!–


–><!–


–><!–


–><!–


–>

1. رئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري خلال لقائه برئيس الجمهورية ميشال سليمان2. منظر عام للعاصمة الاردنية عمان3. الزعيم الليبي معمر القذافي4. عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمود العالول5. موقع الغارة الجوية في قندز6. التالي                       السابق

<!– Top stories –>Top stories
قد لا اخطىء عندما ابشر بأن الرئيس القادم لمصر هو السيد جمال مبارك الابن الأكبر لرئيس الجمهورية شاء من شاء وأبى من أبى، وليسعد أصحاب المشروع، ولتسكت الأصوات وترفع أقلام كل من عارض هذا المشروع، فلا نستطيع أن نتغاضى عن حقيقة أن القوى السياسية المعارضة وأن النخب السياسية والإجتماعية المعارضة لم تكتسب بعد عناصر القوة التي تقنع النظام بتغيير قناعاته، وأن النظام قادر بقوته القمعية على تنفيذ إرادته دون أدنى إعتبار لإرادة الشعب .
وقد سمعنا وعلى مدى عدة سنوات وقرأنا الكثير عن مشروع توريث كرسي الرئاسة، وقد تناولت الأقلام والبرامج والصحافة كل دقائق وتفاصيل الموضوع، ولم أتخلف عن الإسهام برأيي في هذا المجال قبل وبعد تعديل المادة 76 الشهيرة معارضا للمشروع ومحذرا من تداعياته، وقد تراوحت الآراء فيه بين مؤيد ومحبذ، وبين رافض ومحذر، ولاأزعم أنني أقدم جديدا في هده السطور، غير أنني أتحدث هده المرة عن السلطة القمعية المطلقة وكيف تقتحم خيال الحاكم الشمولي لتقلب له الخيال حقيقة وتحجب عنه الواقع الاجتماعي والسياسي، فتخرج قراراته ورغباته عن أصول العمل السياسي لتنقلب إلى نوع من الفانتازيا التي تفرض نفسها على السلطة فتغيب عنها حقائق الأمور على أرض الواقع فتعمى بصيرتها، وتدفعها إلى قرارات كارثية.
هذا النهج الشمولي القمعي لا يقتصر على توريث الحكم، بل نتابعه ويطل علينا بشكل يومي عندما ينتهك النظام الدستور والقانون نهارا جهارا دون أدنى إعتبار لردود الفعل ودون احترام لأحكام المحاكم، بل انه وقبل كل شيء ترخص في إغتيال حق المواطن في اختيار حكامه ونوابه فتأتي له صناديق الإقتراع بما يريده هو وليس بما يحكم به الشعب، وهو في هذا كله مأخوذ بوهم كبير مؤداه أن الشعب غير ناضج وغير قادر على حكم نفسه وأنه جاء وصيا عليه بحكمته وقدرته على تحقيق مصالح المواطنين .
يقابل ذلك أن القوى والنخب السياسية تعاني من سلبيات كثيرة نتيجة تجميد نشاطها ومحاصرة حركتها لعدة عقود ففقدت اتصالها بالقواعد الشعبية واصبحت عاجزة عن تحريك الشارع، وترتب على هذا الخمول السياسي أن لحقت عدواه إلى منظمات المجتمع المدني فغرقت هي الأخرى في خضم صراعات شخصية في غياب الهدف الأسمى الذي تعهدت بالعمل على تحقيقه .
في هذا المناخ غابت ثقافة الاختلاف في الرأي وإدارة الصراع السياسي وفق الآليات والنسق الديمقراطية وغرقت الجماهير في همومها وفي السعي للقمة العيش في ظل الفقر والحرمان الذي فرضه عليها الحكم. ولم يعد المواطن يسعى الى التعرف على العمل السياسي وممارسته ليس فقط خوفا من القمع البوليسي ولكن أيضا لأن وعيه قد تراجع على مدى عدة عقود من الخضوع وأصبح لا يهتم بالقضايا السياسية ولا يفهمها خاصة وان اللاعب الوحيد في الساحة هو الاعلام الحكومي الذي يقدم له صورة وردية ومصداقية تفتقر إلى أي أساس مقبول .
وهكذا تبدو الصورة مثبطة الى حد بعيد، رغم المجهود الشاق الذي تقوم به القوى والنخب السياسية والاجتماعية والمخاطر الجسيمة التي تتعرض لها من القمع البوليسي الشديد الذي لا يلقي أي اهتمام أو اعتبار لحقوق الانسان وكرامة المواطن.
ونعود لمناقشة موضوع التوريث بصورة عامة، فلا يختلف اثنان على أن التوريث قائم ومتجذر في المجتمع المصري والعربي من قديم الأزل، وبعد أن كان مفيدا ومطلوبا للحفاظ على استمرار الحرف والمهن التي تتصف بذاتية خاصة وتستلمذ الصبينة وسيلة لاستمرارها وتقدمها، ظهر لنا في مجتمعنا المعاصر في صور متخلفة وظالمة، فقد أصبح من المقنن في بعض المهن والوظائف الحكومية والسلطوية أن من حق الأولاد أن يلحقوا بوظائف الاباء، وسرى ذلك في الطب وفي السلك القضائي وبين ضباط الشرطة والجيش وغيرها وأصبح التوريث قاعدة مستقرة بصرف النظر عن آثارها السلبية وتعويقها لتقدم المجتمع . بل ان التوريث تخطى ذلك الى مجال الفن الذي يحتاج الي الموهبة قبل كل شيء، ونشهد الآن عشرات بل مئات من الأولاد والبنات الذين يقحمهم الفنان أو الفنانة في مجال الإبداع وهم يفتقدون كل مقومات ومواهب وقدرات الابداع. وعليه يستند انصار التوريث الى حق الآباء في استخلاف أولادهم وبناتهم لأنهم شربوا من موهبة آبائهم وأصبحوا أكثر قدرة على الإبداع من أي وافد جديد لا حظ له في أب أو أم من الوسط الفني.
يبقى ان نتحدث عن التوريث السياسي وهو حق مشروع في النظم الملكية حيث تنتقل السلطة من الملك لولي العهد بآليات معروفة ومعترف بها، أما عن التوريث في نظم الحكم غير الملكية فنجده في بعض الديمقراطيات الغربية، بل شهدناه في دول العالم الثالث الديمقراطية وعلى وجه الخصوص في الهند وباكستان ولبنان، كذلك نرصده وقد قام في سورية، ويجري العمل لإرسائه في ليبيا واليمن والبقية تأتي ، التوريث في الديمقراطيات يتم عبر صندوق الإقتراع الذي لا تزيف أوراقه ولا يتم الضغط على الناخبين، أما النظم الشمولية العربية فتكرس توريث الأبناء بتطويع صندوق الانتخابات لكي يشرع التوريث ويلبسه ثوبا ديموقراطيا مزيفا. ولذلك فلا معنى لمعارضة ترشيح ابن رئيس الجمهورية طالما تتمتع الانتخابات بالحيدة والنزاهة والشفافية. وفي غيبة ذلك يثور الشك والقلق بين المعارضين للمشروع حبا في مصر وليس كرها في الوريث.
ومن هنا أقول لكل من يتطرق إلى التوريث في مصر، دعك من جمال مبارك وانظر إلى مدى مصداقية عملية التصويت في الاستفتاء أو الانتخابات، حيث تصدمنا السوابق المتلاحقة في العقود السابقة، فالتصويت يتم تحجيمه وتجميله من المنبع بعدم اتاحة حرية الترشيح ثم بمحاصرة لجان الانتخابات من الخارج والسماح فقط بدخول مؤيدي النظام وأخيرا بالغاء الإشراف القضائي على مراحل العملية الانتخابية، وبهذا تتضح الرؤية بكل وضوح ونقول لكل المعارضين جمال مبارك قادم قادم وهو رئيس مصر بعد والده وشكرا لجهودكم ولا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم.
غير أنني أنضم للكثيرين من المحللين الذين يشفقون على التوريث وعلى مصر من مشروع التوريث الذي لا أرى فيه أكثر من فانتازيا سياسية يعيش فيها النظام مطمئنا إلى قدراته القمعية الرهيبة تلك القدرات التي يعلمنا التاريخ والتحليل السياسي المنهجي انها لن تستطيع الصمود أمام عظم الكارثة وأنها لن تلبث بأن تتفكك وتتلاشى وتسقط هي ونظامها، فالوريث سيرث تركة مثقلة بالمشاكل محفوفة بالمخاطر لن تلبث إلا أن تنفجر في وجهه وتلحق ببلادنا دمارا شديدا تدفع ثمنه الباهظ أجيالنا القادمة ويروج لمشروعات التوريث في الدول العربية ويجهز على البقية الباقية من الأمل في التصدي للهجمة الشرسة التي تعمل على تغيير هويتنا بل وأدياننا وعقائدنا فضلا عن نهب ثرواتنا .
والسؤال هنا هل تعيش مصر حياة سياسية حقيقية تفسح المجال لتقارع الافكار والعقائد أم تتمسك بخيال قمعي سلطوي جامح وفانتازيا واعدة يبثها ويلعب على أوتارها أولئك الذين يحيطون بالنظام ويستفيدون منه وعلى الأخص رجال الأعمال وقيادات القمع ورئاسات المجالس النيابية المحلية التي عاثت في الوطن فسادا غير مسبوق بل يفوق ما صادفته البلاد في عهد المماليك. أم على العكس من ذلك مراجعا فكرة التورييث مقرا بالواقع السياسي الذي بات محتاجا بشدة للعودة الي الشعب والى الديموقراطية والحرية.
ان التصدي للتوريث هو جزء من كل، فهو يرتبط كليا وجزئيا بالاصلاح السياسي الطوعي أو القسري.
وفي ظل الواقع السياسي الراهن يكون من ضرب الأوهام أن نتوقع إصلاحا من خلال الانتخابات، وقد غرقت نخبنا في رومانسيتها فراحت تدعو منذ أيام فقط الى خوض الاستحقاقات الانتخابية القادمة مع اخضاع التصويت لرقابة دولية، وهذا تناول يتسم بالسذاجة وافتراض حسن النوايا، الحقائق على الأرض تؤكد لنا أنه لا أصلاح سياسيا في ظل قناعات وتوجهات النظام الحالي، وأنه لا مخرج لهذه الأزمة إلا عصيان مدني شامل وقوي يستطيع الضغط الفاعل من أجل تحقيق سلامة الاقتراع وعدم تزويره، وبغير ذلك يصبح التحدث عن الديمقراطية والحرية أضغاث أحلام .
حفظك الله يا مصر فانت عزيزة بأبنائك وتراثك ولن تلبثي طويلا في مخالب قوى الفساد والشمولية .

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “توريث الحكم.. فانتازيا مصرية”

  1. جمال مبارك نجل الرئيس حسني مبارك قرر إلغاء التوريث لأجل غير مسمى « بشار الأسد: الطبيب جورج يوسف غلب الإنس و الجان و عمل أول ضد باك في التار Says:

    […] توريث الحكم.. فانتازيا مصرية […]

  2. الـ”فيس بوك” « بشار الأسد: الطبيب جورج يوسف غلب الإنس و الجان و عمل أول ضد باك في التاريخ Says:

    […] توريث الحكم.. فانتازيا مصرية — 1 comment […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: